الراغب الأصفهاني

147

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ « 1 » في جميع ما يحتاج إليه في الحرب ، استشير أكثم بن صيفي في حرب أرادوها فقال : أقلوا الخلاف لأمرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل ، والمرء يعجز لا محالة . وادّرعوا الليل فإنّه أخفى الويل . وكان عظماء الترك يقولون : ينبغي للقائد في الحرب أن يكون فيه أخلاق من البهائم : شجاعة الديك وقلب وقلب الأسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراحة وحراسة الكركي وحذر الغراب وغارة الذئب وقال قميصة بن مسعود يوم ذي قار « 2 » يحذّر بكر بن وائل : الجزع لا يغني من القدر ، والصبر من أبواب الظفر ، والمنية ولا الدنية « 3 » واستقبال الموت خير من استدباره والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر . وهالك معذور خير من ناج فرور . وقال أبو مسلم لبعض قواده : إذا عرض لك أمر نازعك فيه منازعان أحدهما يبعث على الإقدام والآخر على الإحجام فأقدم فإنه أدرك للثار وأنفى للعار . الحثّ على استعمال الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الحرب خدعة وقيل إذا لم تغلب فأخلب وقال بعضهم : كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك ، وبحذرك أفرح منك بنجدتك ، فإن الحرب حرب للمتهوّر وغنيمة للمتحذّر . وقيل : المكر أبلغ من النجدة ، ومما كتب معاوية إلى مروان لما بلغه قتل عثمان رضي اللّه تعالى عنه : إذا قرأت كتابي فكن كالفهد لا يصطاد إلّا بغليلة ولا يناور إلا عن حيلة وكالثعلب لا يغلب إلا روغانا . وأخف نفسك عنهم إخفاء القنفذ رأسه عن لمس الأكف وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وأبحث على أخبارهم بحث الدجاجة عن حب الدخن « 4 » عند نفاسها وقيل حازم في الحرب خير من ألف فارس . لأن الفارس يقتل عشرة وعشرين ، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره . حث من دعي إلى المبارزة على الإجابة قال أمير المؤمنين رضي اللّه عنه لبعض بنيه : لا تدعونّ أحدا إلى البراز ولا يدعونّك أحد إلّا أجبته ، فالداعي باغ والباغي مصروع . وقال طرفة : إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني * دعيت فلم أكسل ولم أتبلّد « 5 »

--> ( 1 ) القرآن الكريم : الأنفال / 47 . ( 2 ) يوم ذي قار : من أيام العرب تغلبت فيه جموع من العرب بقيادة بني شيبان على الفرس . ( 3 ) الدنيّة أو الدنيئة ( بالهمز ) : النقيصة . ( 4 ) الدّخن : نبات حبّه صغير يقدّم طعاما للدجاج والطّيور . ( 5 ) يعبّر طرفة بن العبد عن حسّه الجماعي وحميته فهو إذا دعي إلى مكرمة أو مأثرة أقدم ولم يتردد نافيا عن نفسه العزلة وما قد يعتري روح الفردية من بلادة أو كسل وفي رواية : عنيت في موضع دعيت .